الصحة “الأيادي البيضاء” جنود مجهولون في دائرة الاستهداف

الصحة/ ملكة الشريف

لا نستطيع أن نشيح بعيوننا بعيدا عما قدمته الكوادر الطبية  أثناء الحرب من خدمات جليلة ، ومسحة إنسانية،  تغلب فيها الجميع على خوفه ، وتجرع ألمه وخوفه من المجهول الذي تصنعه الأيدي الصهيونية الملطخة بالدماء دون التمييز بين سيدة أو ، طفل أو شيخ مسن … كل يضمد جرحه ويكمل مسيرة التحدي.

“دينا بنّر” 23 عاما … ممرضة في قسم الولادة في مستشفى الشفاء أصيبت في رابع يوم العدوان بشظية أصابت جانبها الأيسر تقول دينا ” صعدت إلى سطح المنزل لأحضر زى التمريض …فقد حان موعد ذهابي إلى عملي …ولكني لم أعي على نفسي عندما قصفوا المنطار وهو في المنطقة الشرقية من غزة حيث وقعت بعد إصابتي على الدرج وأغمي علي ولم أعد أعي شيئا  “

تتابع “بنر”: في الأيام السابقة لإصابتي كنت أذهب إلى عملي أحاول التغلب على نفسي وأهلي من القصف، وخاصة في ظل استهداف سيارات الإسعاف، فقد نجونا بأعجوبة في اليوم الثالث للحرب عند استهداف سيارة الإسعاف التي تقلنا بصاروخ”.

على بعد خطوات من القصف

“أم صالح” واحدة من المجندات المجهولات أثناء الحرب على غزة، اللواتي تركن أبنائهن وعائلاتهن تحت القصف، وتوجهن إلى المستشفيات، معرضات أنفسهن للخطر، أمام الواجب الوطني والإنساني.

“أم صالح” وهي الحكيمة فيزا الزعانين  أم لـ ثمان بنات وخمسة أولاد كانت تضطر للسير على قدميها لمدة تتجاوز نصف الساعة لتصل إلى مكان سيارة الإسعاف التي تنقلها للمستشفي بسبب قلة المواصلات، فهي تسكن في منطقة نائية من بيت حانون التي تتعرض كثيرا للقصف من قبل المدفعية  والطائرات الحربية الإسرائيلية، ولا تستطيع سيارات الإسعاف الوصول إليها .

فهي تعمل في قسم الولادة في مستشفى الشفاء منذ أكثر من 20 عاما… فالولادات كثيرة وحالتها ليست بأقل سوءا من السيدات في أكشاك الولادة .. قلقها على أبنائها وأهلها لم يمنعها من أداء دورها في التخفيف من معاناة السيدات ، تحمل قلقها بين جنبات قلبها  وتمضي .

وتقول “الزعانين” “تعرضت للخطر أكثر من مرة خلال ذهابي إلى العمل  ، لقد كنت أحيانا  كثيرة أختبئ في ظل حائط  أو بجانب بيت ما، وكنت أمشي  بين الأزقة  بعدما يخف دوي الانفجارات قليلا كي أصل سيارات النقل التي توصلني إلى المستشفى”.

الإحساس بالرعب لم يوقفني

“أم خليل “وهي الممرضة نسرين شقورة… حالها كحال المئات من الممرضين والممرضات اللواتي تركن بيوتهن وأبنائهن لأداء واجبهن في خدمة المرضى والتخفيف عن ألمهم ومعاناتهم…

“كنت أعيش أوقات صعبة فانا حائرة ما بين واجبي كممرضة، وعائلتي وأبنائي الثمانية ، وكان قلبي يقفز من بين ضلوعي كلما سمعت خبرا ما عن مكان القصف  وكنت أسرع بالاتصال على زوجي لأطمئن عليه وعلى أبنائي … تتنهد وتقول “لقد كانت أياما صعبة الله لا يعيدها، كنت أقّبل أبنائي وأودع زوجي في كل يوم اخرج فيه للعمل لاعتقادي أنني قد لا أراهم ثانية”.

فنحن الجنود المجهولون  … حاولنا تنسيق الجدول ، وقمنا بدمج بعض الأقسام مع بعضها لاستقبال المصابين …إذ كانت الحالات تتوالى على مستشفى الشفاء في كل ثانية، وتضيف “شقورة” لم نسلم ونحن في المستشفى أيضا فعند قصف مركز العباس انهارت كل شبابيك القسم وتناثر زجاجها في المكان …لقد خفنا كثيرا …وتتابع “إحدى زميلاتي التي كانت تصطحب وليدها  بحثت عنه لتجده قد وقع من السرير لتجده تحت الطاولة بفعل قوة الضربة”.

أما الممرضة عطاف أبو ناموس والتي قصف بيت حماها بالقرب من “تل الزعتر” فهي تصطحب أطفالها الثلاثة معها إلى شغلها لأن نوافذ وشبابك بيتها تطايرت بفعل الشظايا ، وقلبها لا يطاوعها بتركهم عند أحد”.

وعن مشاعرها لحظة ذهابها إلى العمل ” تضيف:” صدقا كانت حياتنا معرضة للخطر بأي دقيقة وكنا كثيرا ما نعيش حاله القلق والخوف عليهم، وأكثرها لحظة قصف بيت حماي لم أتمالك نفسي حينها “.

أترك لكم الوصف

أما الممرضة “سميرة الشرافي” والتي قصف مركز شرطة جباليا وهي بجواره تنتظر الركوب بحافلة تقلها إلى  المستشفى تقول ببضع كلمات مقتضبة ” لا أستطيع وصف شعوري وخوفي وألمي ..بل أترك لكم الإحساس لو كنتم في نفس الموقف”

هي صور وأحزان وألم تغلب عليها الطاقم الطبي ليس في مشفى واحد فقط …ولكنها صورة حاضرة في جميع المشافي الطبية وعلى مستوى رسمي وفردي… فليس باستطاعتنا إلا تقديم وسام نصر لهؤلاء الجنود المجهولون كل في مكانه.